ماكس فرايهر فون اوپنهايم
21
من البحر المتوسط إلى الخليج
عالية . تقع في وادي البليخ ، على مسافة يوم واحد من مدينة إيديسّا - أورفة الحديثة نسبيا والتي لم تزل مزدهرة حتى اليوم ، مركز حضاري مغرق في القدم هو مدينة حران التي يعبد الناس آلهتها حتى في آسيا الصغرى ( في سنجري مثلا ) . وعلى مسافة أميال قليلة شمال خط العرض 36 توجد في وادي البليخ بقايا سد قديم ضخم كان دون شك يستعمل لأغراض الري . إذ إن الجغرافيين العرب يذكرون أن وادي الخابور كان في العصور الوسطى مزدهرا بزراعة الزيتون والقطن « 1 » . ونحن نعرف أسماء عدة مواقع على الخابور كانت تستعمل في ذلك الزمن لتكديس أو بيع القطن . وتذكر التقارير التي سجلها البلاذري ومن بعده الواقدي عن المعارك التي خاضها الفاتحون المسلمون في بلاد ما بين النهرين عددا كبيرا من أسماء المدن والقرى والقلاع المفتوحة التي كانت واقعة على الخابور وفي المناطق الواقعة إلى الغرب منه في الجزيرة وتشهد التلال الكثيرة المتناثرة في منطقة الخابور والبليخ وشمال جبل سنجار كأكوام الخلد وكذلك بقايا منشآت الري ، على وجود مستوطنات سكنية عامرة في العهود الغابرة وتثبت أهلية شمال الجزيرة للازدهار الحضاري . أما اليوم فإن الجزيرة بكاملها أصبحت منطقة للبدو الرحل الذين تشكل القبائل العربية غالبيتهم العظمى . فقط هنا وهناك تزرع الأرض قرب مواقع المياه التي تبقى جارية في الصيف أيضا ، ولا يوجد مراكز سكنية ثابتة ، باستثناء جبل سنجار « 2 » الذي يشكل استثناء فيما يتعلق بسكانه أيضا ، إلا على أطرافه . يختلف النهران الشقيقان اللذان يحتضنان بلاد ما بين النهرين اختلافا جذريا عن بعضهما البعض . فبينما يستقبل دجلة منذ خروجه من امتدادات جبال كردستان على جانبه الأيسر كثيرا من الروافد القادمة من هذه الجبال الممتدة بعيدا نحو الجنوب الشرقي ، فإن الفرات يجري من مسكنة حتى فلوجة في سهول شبه قاحلة ويغوص مجراه عميقا في الهضبة الصحراوية . أما واديه فيختلف عرضه من مكان
--> ( 1 ) الإصطخري ، دراسة دي غوييه ، ص 74 ، الملاحظة ه ، يذكر أن قطن الخابور كان يصدّر إلى الموصل وخلاط ( جنوب شرق أرمينيا ) . ( 2 ) بخصوص سكان جبل سنجار ، اليزيديين ، انظر الفصل 13 ، ص 147 وما بعدها .